أبي طالب المكي
111
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وخوف المكر والاستدراج ، علامة التحقق بها ودفعها عن النفس ، وسترها عن أبناء الجنس ، وترك التظاهر بها علامة الظفر بها ، لأنّ المحبوب غيور ، وغيرته على نفسه وعلى ظهور محبته أشد من غيرته على إظهار محبته ، وغيرته على إظهارهم لغير أبناء جنسهم أشد من غيرة جميع محبيه عليه ، وهذا كلام على عالم صاح في مقام صحو مكين . فأما السكران بحاله والولهان بوجده فمغلوب ، والمغلوب معذور . قال رجل لأبي محفوظ ، وقد رأى من بعض المحبين شيئا استجهله فيه فأخبر معروفا بذلك فتبسّم ثم قال : يا أخي له محبون صغار وكبار ومجانين وعقلاء ، فهذا الذي رأيته من مجانينهم ومن المحبة كتمان بلاء الحبيب بعد الرضا به لأنّ ذلك من السرّ عنده وحسن الأدب لديه . وعوتب سهل في العلة التي كانت به علة مهولة كان يداوي الناس منها ولا يداوي نفسه فقيل له في ذلك فقال : ضرب الحبيب لا يوجع . وكان حينئذ يقول : من علامة المحبّ في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها عند نزول البلاء ، إذ هو لطف من مولاه وفيه الغربة إلى محبوبه وقلة التأذي بكل بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه . وقد كان بعض المحبين يقول : أصفى ما أكون ذكرا إذا ما كنت محموما . وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في المحبة عند بعض المحبين فقال له المحبّ : أرأيت هذا الذي تذكر محبته أهممت بسواه قط ؟ قال : نعم . قال : فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا ؟ قال : لا . قال : لولا أني أستحي لأخبرتك أنّ محبتك معلولة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في ليلتك . ثم قال : لكني لا أدعي محبته وعلى ذلك ما اهتممت بسواه مذ عرفته ، وربما رأيته في ليلة سبع مرار . وذكر بعض المحبين ممن كان بدلا عن إبراهيم بن أدهم ممن تكلم في علم طريقه ووصفه حاله وذكر القصة بطولها قال : رأيت الله عزّ وجلّ مائة وعشرين مرة وسألته عن سبعين مسألة أظهرت منها أربعة فأنكرها الناس فأخفيت الباقي . وفيما ذكر من وصف المحبّ كفاية وغيبة عن وصف المحبوب وليس يمكننا وصف المحبوب إذ كان حاله يجلّ عن الوصف . وكيف يوصف من يسمع ويبصر من يحبه ويبطش ويعقل عن محبوبه فيكون هو سمعه وبصره وقلبه ويده ومؤيده . كما جاء في الخبر : إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، وقلبه الذي يعقل به ، وإن سألني أعطيته وإن سكت ادّخرت له ، لو قسم نوره على أهل الأرض لو سمعهم ، فهذا كله في مقام محبوب . ويقال : إنّ هذه الآيات والقدر من سرائر الغيوب وخفايا الملكوت التي تسميها العامة المعجزات والآيات وتسمّيها العلماء الكرامات والإجابات ، وهي آيات الله في أرضه مودعة وقدرته في عباده جارية ، وعنايات له في ملكه مستقرة ، ليس للعباد منها إلَّا كشفها ونظرهم إليها إذا